ثقافة "تسير" في الرديّف: شيءٌ ما تغيّر في مدينة المنجم
منذ أكثر من عامين بقليل، كانت الرديّف تفتقر إلى فضاء يتيح لشباب الحوض المنجمي تعلّم فنون الصورة، أو إعداد ملف إنتاج، أو ببساطة منح أنفسهم الوقت الكافي لتخيّل أن مشروعا ثقافيا يمكن أن يتحوّل إلى مهنة. جاء برنامج "تسير"، الذي تُشرف عليه "أمافي" بشراكة مع جمعية "نوماد08" المحلية، ليستجيب لهذا النقص بخطوة بسيطة: تهيئة فضاء، واستقدام مكوّنين إليه، وترك الوقت يقوم بالباقي.
يوم 11 سبتمبر 2026، كان صباحا للعودة إلى المسارات والدروس والمشاريع التي رافقت مغامرة "تسير الرديّف" طوال شهور، على هامش ملتقى الفيلم الوثائقي بالرديّف. لقاءات وشهادات واكتشافات وعروض صنعت إيقاع هذا الموعد الأخير، قبل أن يُفسح المجال لعرض الأفلام المُنجزة في إطار ورشات برنامج تسير، التي جاءت بدورها لتختم هذه الدورة من اللقاءات.
تجسّد هذا الوقت أولًا في الإقامة الوثائقية "نظرات متقاطعة"، التي صُمّمت كمرافقة متكاملة، من الكتابة إلى ما بعد الإنتاج. خمس قصص تم اختيارها من بين الترشحات الواردة، ولم يكن المسار مجرّد إجراء شكلي.
ورشات في التصوير والصوت مهّدت الطريق، تلتها مرحلة تحضير للتصوير واجه فيها كل مشروع أسئلة الإنتاج الملموسة: أين يُصوَّر، ومع من، وبأي قدر من الوقت والطاقة. صمد التصوير أمام اختبار الميدان، وانتهى المونتاج بتسليم ثلاثة أعمال تحمل بصمة الجهة: "ميرداسيات" لجهاد الملكي، و"نزهة ثنائية" لعبد الله جرادي، و"طرڨ" لأسامة الملكي، الذي لا يزال قيد الإنجاز، تروي كل واحدة منها جانبًا من الرديّف عبر طقوس ومشاهد وذاكرة قلّما تمهّلت كاميرا للنظر إليها عن قرب.

إلى جانب الإبداع الوثائقي، اشتغل محور التكوين كعمود فقري خفيّ للبرنامج. شبكة من المكوّنين، جرى حشدها محليًا وخارج الجهة، غذّت "مختبر تسير" على مدى قرابة عامين، في منطق أقرب إلى بناء خزّان من الكفاءات منه إلى نقل معرفي عابر. ولعلّ هنا يكمن الأثر الأعمق الذي يتركه "تسير" في الرديّف: ليس هذا المشروع أو ذاك الفيلم، بل وجود جماعة محلية باتت قادرة، من الآن فصاعدًا، على التكوين وعلى تلقّي التكوين في مهن الثقافة.
أما الاحتضان، فروى قصة أكثر خشونة. انطلق من "كرياثون" أنجب اثنتي عشرة فكرة، ثم ضاقت الدفعة مرحلة بعد أخرى، حتى لم يبقَ سوى ثلاثة مشاريع لتُعرض على الجمهور في يوم العرض الختامي. بين حماس الانطلاقة وخط الوصول، تخلّى كثيرون عن الطريق، بين ضرورة الاستقرار المادي، وضغط الالتزامات الجامعية، وثقل التوقعات العائلية.
لم يحاول البرنامج إخفاء هذا التآكل، بل جعل منه مادة للتعلّم، وإشارة إلى الشروط الحقيقية التي تُخاض فيها المغامرة الريادية في الصناعات الثقافية والإبداعية بالجهات الداخلية، حيث يبقى اختيار هذا المسار رهانا أكثر خطورة منه في أماكن أخرى.
المشاريع الثلاثة التي صمدت حتى اليوم الختامي، وهي "مينا" لإسلام ونورهان العبيدي، و"الدرّاجة الثقافية" لغسان الحاج بوزيان، و"رحلة الخنفس" لأمان الله الطبابي، تقول الكثير عن الإصرار الذي تطلّبه الوصول إلى النهاية. وقد كان مشروع "الدرّاجة الثقافية" هو الفائز، بجائزة مالية مدّدت طموح المشروع على أرض الواقع بشكل ملموس.
ولم يكن ليصمد أي من هذا لولا "مختبر تسير"، الذي تمّت تهيئته داخل جمعية "نوماد08" نفسها في الأشهر الأولى من البرنامج. بعيدا عن كونه مجرّد مكتب عابر، صُمّم الفضاء وجُهّز لممارسة العمل السمعي البصري: ما يكفي للتصوير والتسجيل والمونتاج والتكوين، دون الحاجة في كل مرة إلى معدّات مستعارة أو تنقّل إلى تونس العاصمة.
هذا الفضاء هو من احتضن ورشات التصوير والصوت، وجلسات المرافقة، ولحظات العمل الجماعي بين أصحاب المشاريع. وهو، فوق كل ذلك، ما يبقى. فبعد إغلاق "تسير"، يواصل الفضاء وجوده داخل الجمعية، متاحا لتكوينات مقبلة، ولتصويرات لم تعد بحاجة إلى برنامج دولي لتبرير وجودها، أو ليُعاد توظيفه بشكل آخر، كقاعة اجتماعات، أو فضاء عمل مشترك، أو مكان يُحيا حسب حاجات "نوماد08". ولعلّها الأثر الأكثر ملموسية الذي يتركه "تسير" في الرديّف: فضاء مجهّز لم يعد ملكا للبرنامج، بل للمدينة.
ما يكشفه في النهاية مرور "تسير" بالرديّف يتجاوز مجموع أنشطته. فبتهيئة فضاء، وتعميم كفاءات، ومنح شباب الحوض المنجمي فرصة حقيقية لخوض غمار مهن الإبداع والريادة الثقافية، أطلق البرنامج دينامية لن تنطفئ بانتهائه. الأشهر المقبلة ستقول ما إذا كانت الرديّف قادرة على إبقاء هذه الطاقة حيّة بمفردها، لكن شيئًا ما تغيّر في الطريقة التي تنظر بها المدينة إلى نفسها، كجهة ثقافية، لا منجمية فقط.
محطة أخيرة، إذن، للاحتفاء بالمسار الذي قُطع في الرديّف، وبالحكايات التي لا تزال قيد الكتابة.